…معتقل الحب المستحيل

مضت أيام، أشهر من طول مدّتها لا قدرة لي على عدّها، لم نتحدث فيها أبدا على غير العادة، لم نتبادل فيها روتينيات أيامنا … لم نتشارك مخاوفنا من لحظات الفرح ولا حتى أمانينا المستقبليّة … مضت أشهر لم تتقاسم فيها سعادتي معي بتّ وحيدة برّغم من احتشاد النّاس حولي… أتعلم أنّ السعادة الفرديّة هي حزن  أيضا؟؟… لم أفكر يوما أننا سنفترق بكل هذا البرود
لم يخطر ببالي أننا سنخرج من كوكبنا السحري كل منا في حال سبيله… لم أفكر يوما أن القيود التّي تربطنا ستفك بسهولة وكأنها مصنوعة من خيوط ليّنة برقّة الحرير الأملس ولم أتخيّل ولو لوهلة بأنّنا سنشفى من ادماننا على بعضنا بسرعة الضوء
اليوم قررت أخيرا أن أحدّثك أن أخبرك أنني أعفيك من قيد التعلّق ومن كلّ ما يصيبنا من وهن وضعف وتردد وحيرة … أنني أعفيك من ذلك الشعور اللّعين الذي يتغلغل بداخلنا رغما عن أنفنا، ويعبث بأحاسيسنا وبعقولنا لدرجة أنّه يغير كلّ ما فينا ويعصف بجلّ أعضائنا بداية من القلب وحتّى النخاع … اليوم قرّرت أن أخبرك أنني خيّرت السفر لكسر تلك القيود الشيطانيّة الشّريرة التي تحبسنا، فضّلت الاستمتاع بعزلتي علّني ألملم ما تبقى منّي و أضمّد جروح ألم فراقنا، لكنّي اكتشفت عند بداية رحلتي بأنّ السّفر وحدهُ غير كافٍ للعُزلة، ففي الاختلاء فنّ و حرفة نكتسبها عبر الأيام
وإني والحمد لله صِرتُ محترفة بما فيه الكفاية إلى درجة أنّي أؤمن أن صيانة القلب تكمن في عزلته قدر المستطاع للحفاظ على سلامة أوتاره وعذوبة لحنه
صرت أعرف كيف أستأنِسُ باللذين من حولي، دون التعلق بوجودهم … كما أنّي صرت أتكهّن و أتعايش مع إمكانية فراقهم في أي زمان ومكان… 
صرت حرة، قوية وتعلمت كيف أقطعُ كل الحبال التي تُدنيني من الوجع مهما طالت أو قصرت، ميلًا كانت أو سنتيمترًا، لا أهمية لذلك، فكلّ هذا المخاض الذي عشته زادني رشدا فلا تحسبني صرت سلبية أو محبطة، على العكس فلم يزدني ذلك إلاّ قوّة و إيجابية و حبّا بالحيــــــــــــــــــــــــــــاة… 
لازلت تلك الفتاة الحالمة… و لم تمت بعد شعلة الخيال عندي بل تأججت أكثر فأكثر كتأجج جمر اللهيب… إني اليوم أشكرك حيث أنك حرّكت ما كان مدفونا بداخلي، حرّكت فراشات أحاسيسي، التي مكنتني من رسم مدينة بأكملها بجميع تفاصيلها، بحلوها و مرّها، كل ذلك من دون خسارة جهد بالغ، كل ذلك و أنا أحتسي فنجان قهوتي المسائية و أستمتع بمراقبة تهاطل رقاقات الثلج فوق رأس المدينة جاعلتا منها عروسا تترنح في ثوبها الأبيض البراق
شكرا لأنّك كنت حلقة في حياتي، شكرا لأنّك شجعتني أن أحلم أكثر وأن أتخيل أكثر من ذي قبل … شكرا فلنا في الخيال حياة

Leave a Reply